شواهد على العمران .. قراءة واستقراء للعمران من خلال رصد وتحليل المرجعيات المختلفة والمتوارثة عبر الزمن والتي تكون مع بعضها البعض صورة شمولية تعكس المناحي المتنوعة لذاكرة المدينة والمجتمع وتبين لنا من خلال المقارنة والنقد مع غيرها من المرجعيات أوجه التغيرات التي طرأت على الوضعية المجتمعية والسياسية والاقتصادية للعمران وأثرت في تشكيله وتكوينه

سجل القصور والبيوت

كان لعمارة المساكن الخاصة والقصور في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تأثيراً كبيراً على الحركة المعمارية وأنساقها المتوارثة والمتواترة في المجتمع المحلي في تلك الفترة ، فظهرت عناصر جديدة في العمارة لم يسبق أن وجدناها في العمائر التي بنيت في القاهرة حتى نهاية القرن الثامن عشر وغزو الحملة الفرنسية ، فوجدنا في تصميم البيوت والقصور دخولتصميمات جديدة وتفاصيل وعناصر معمارية جديدة دخيلة على عمارة القاهريين ، واختفت بعض المفردات الموروثة من تراث المراحل السابقة . وتأتى حتمية رصد وتوثيق تلك العمائر باعتبارها جزء من ذاكرة المدينة والمجتمع ، رغم دورها السلبي من المنظور الوطني والهوية المصرية ، فقد شكلت العمائر المرتبطة بالحكام من الاسرة العلوية أو العمائر التي عمرتها النخب المجتمعية والسياسية القريبة من الحاكم ، في مجموعها جانباً للصورة البصرية والحالة المعمارية والعمرانية الحادثة حينها عامة في القاهرة (المستحدثة أو بالأحرى المستغربة) ؛ ويهدف المشروع لتوثيق عمارة القصور والسكن الخاص باعتبارها مرآة تعكس الوضعية المجتمعية للطبقات العليا الجديدة في المجتمع ، والتي تمثل القدوة والأنموذج لسائر الطبقات ،والذي كان له أثراً واضحا في عمران المنطقة التي بني أو جدد بها . ومنذ بدء المشروع تم رصد ما يقرب من مائتي قصر ومسكن ، ويستهدف المشروع عمل قائمة كاملة بالقصور في القاهرة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كبداية لتوثيق معماري شامل للباقي منها حتى الآن .

المستشرقون وصورة القاهرة العمرانية

الاستشراق .. مصطلح في طياته وبواطنه علاقة جدلية بين الغرب والشرق ، فهو بقدر ما يحمل من اعجاب الغرب الأوروبي بحضارة وتاريخ وثقافات الشرق ، فهو في ذات الوقت يرتبط بأطماع واحلام وتطلعات هؤلاء القادمين من أوروبا لأرض الشرق ، ومع تلك الاطماع وذلك الأعجاب فهو حركه فنية ووثيقة تاريخية محايدة أحياناً ، أو منصفة أحياناً ولكنها أحياناً أخرى (في الغالب الأعم ) منحازة لرؤى مسبقة وأفكار خارجية لا ترتبط بأرض الشرق وثقافة مجتمعاته . و تأتي اهمية حصر تلك الحركة الاستشراقية في عموميتها وما أفرزته من أدبيات واعمال فنية وتصويرية ومعمارية لما لعبته في تشكيل جزءا من الصورة العمرانية لمصر وعاصمتها القاهرة من جهة ، ومن جهة أخرى لأن ما أفرزته الحركة الاستشراقية من أعمال يعبر عن رؤيتها لمصر وعاصمتها وتوجهاتها وأغراضها المستترة والمعلنة . انها حركة مثلت حالة من الجدلية بين حضارتين ، وحراك جدلي يعتمد الحوار والصراع بين ثقافتين وزمانين .. وكانت مصر وعاصمتها "القـــاهرة" هي كلمه السر في هذه العلاقة وذلك الحراك ، فالقاهرة كانت ولا تزال مفتاح الدخول إلى الشرق والخروج منه ، عندها دائما يتقاطع الشرق والغرب ..

أما في موائمة .. فيكون الحــــوار

أو في تناحــر .. فيصبح الصراع

وفى الحالتين تبقى لمصر والقاهرة الكلمة الاخيرة في هذه الجدلية بحكم الجغرافيا والتاريخ ، وبفعل الحضارة والمسئولية الإقليمية ، حالة عامة عاشها الشرق وأدركها الغرب .

ويهدف هذا المشروع الى رصد وتوثيق اعمال الحركة الاستشراقية في القاهرة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من خلال ثلاث ابداعيات :

o لوحات المستشرقين في القرن التاسع عشر

لقد حمل الرحالة والفنانون المستشرقون جزء من مسئولية توثيق عمران القاهرة وحياة المجتمع لتكون مرجعية مكمله لكتابات المؤرخين ، ولتكون مع غيرها من المرجعيات العلمية والوثائقية لكل باحث ، ومع هذا الكم من ابداعيات واعمال هؤلاء الفنانين والرسامين الذين زاروا مصر والقاهرة ، تجد تلك الاعمال التي وثقت لتلك المرحلة من رحلة القاهرة وسكانها ، إلا أننا بقدر ما نعتمد عليها كمرجعية توثيقية ولكننا نعتمد ايضاً على المنهجية النقدية والمقارنات مع المراجع التاريخية الأخرى حيث هناك من هؤلاء المستشرقين من جنح بهم خيالهم بعيداً عن الواقع بغض النظر عن النوايا ، وما يعبر عن حالة الاستشراق ذاتها واغراضها المعلنة أو الخفية ونخص بالذكر هنا اسماء مجموعة مختارة من هؤلاء المستشرقين ، مجموعة تمثل بقدر الممكن والمتاح لتنويعات المدارس الاستشراقية المختلفة ، والممتدة من بدايات القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين . ونهدف في هذا المشروع الى رصد الممكن والمتاح من تلك الأعمال مع مراعاة تدقيقها والتحقق من كافة المعلومات المرجعية المتعلقة بها ، ويهدف كذلك الى جمع المعلومات الكافية عن الرسامين وخلفياتهم ، ومنذ بداية العمل رصدنا ما يزيد عن ألف وثمانمائة لوحة لمائة ومائة وأربعة وثمانون فناناً ورحالة من هؤلاء عند زيارتهم القاهرة خلال تلك المرحلة من الرحلة مثلوا في مجموعهم ورسوماتهم صورة عامة للمدينة ، والمجتمع في عيونهم من زوايا متعددة ومتنوعة بل ومتباينة أحياناً عمراناً ونشاطاً حياتياً للمجتمع ، وذلك على سبيل الاستدلال لتلك المرجعية التوثيقية وليس الحصر الشامل الموسوعي لتلك الاعمال التصويرية والوثائقية التاريخية ، مع مراعاتنا التدقيق الموضوعي لتلك الاعمال في مقابل المرجعيات الوثائقية الأخرى المعاصرة والمتزامنة لهؤلاء الفنانين .

وافرزت المرحلة الأولى من المشروع عن تكوين نواة للأرشيف الرقمي للوحات المستشرقين في القاهرة ، وكذلك عن انتاج اصدار خاص ضمن مبادرة الكتاب الرقمي المفتوح هو: القاهرة بألوان المستشرقين ، شاهد على العمران

o الصور الفوتوغرافية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

التقطت أول صورة فوتوغرافية في الشرق ومصر في 4 نوفمبر سنة 1839 بحضور محمد علي باشا في مدينة الإسكندرية ، ومنذ التقاط الصورة الأولى في الإسكندرية ، دخلت مصر والشرق بداية مرحلة جديدة من التوثيق المرئي ، وأخذ مئات المصورين بالتدفق على مصر وسوريا ، والتقطت آلاف الصور للمعابد والهياكل القديمة للمدن والقرى ، وصورت عدسات المصورين مختلف المناظر ومظاهر الحياة الاجتماعية .ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أخذ المصورين طرق لتصوير خارج ديارهم الأصلية توجهوا على الفور إلى مصر وفلسطين واسطنبول ، وفي كثير من الأحيان كان تأسيس وستوديوهات التصوير التجارية من قبل المقيمين الدائمين سواء الأوربيين أو غيرهم من السكان المحليين في الإمبراطورية العثمانية دور كبير في انتشار اعمال التصوير وأن تحل تدريجياً في نهاية القرن التاسع عشر محل الفنانين المستشرقين ورسوماتهم ، بالإضافة إلى دور العديد من المصورين الذين سافروا إلى الشرق لفترة قصيرة ومحدودة في مهام بعينها ، وخلال القرن الـتاسع عشر فقط نشط أكثر من 300 مصور في مصر وبلاد الشام ، وكان معظمهم من الفرنسيين والبريطانيين ، وبعض الألمان والأميركيين وقد شهدت مدينة القاهرة حالة من الازدهار المعماري خلال القرنين الـتاسع عشر والـعشرين ، وتحفل المكتبات المتخصصة والمتاحف بكثير من تلك المجموعات التي تعكس الوضعية المجتمعية والعمرانية والمعمارية للشرق وخاصة مصر .

ويهدف المشروع الى رصد الصور الفوتوغرافية للقاهرة في تلك الفترة ، ومنذ بدء العمل تم رصد حوالي 1300 صورة فوتوغرافية للقاهرة في الفترة بين 1839-1904 وكذلك المعلومات الكافية عن ما يقرب من مائة وثلاثون مصورا فوتوغرافيا .

o الاعمال المعمارية

تواترت المشاركات المعمارية والعمرانية الاستشراقية خلال القرن التاسع عشر واستمرت في القرن العشرين بالرغم من ظهور جيل من المعماريين المصريين الرواد الوطنيين في مواجهة أو مقابلة المعماريين الاوربيين (المستشرقين) . عموماً قدم المعماريون المستشرقون في القرن التاسع عشر الذين زاروا مصر والقاهرة واحتكروا الممارسات والاعمال المهنية كم هائل من التصميمات ونفذوا غالبية ما أفرزته الحركة المعمارية لاسيما في المناطق الحضرية وخاصة في مدينة القاهرة ومدينة الاسكندرية ، حين شهدت القاهرة حركة تنمية عمرانية ومعمارية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لاسيما في مناطق النمو العمراني المستحدثة بالمدينة واحيائها الجديدة ، وترسم الاعمال المعمارية للمستشرقين في القاهرة صورة لحوار وصراع بين ثقافتين ، ولمصر وعاصمتها في قلب هذا الحوار وفي مقدمة ذلك الصراع ، وعمارة القرن التاسع عشر (مرحلة الهيمنة الاستعمارية الفكرية والثقافية المستترة أو العسكرية والسياسية المباشرة) . وتقدم صفحة موثقة عن تاريخ ورحلة القاهرة لتلك الجدلية ومدلولاتها في حياة المدينة والمجتمع.

ويهدف المشروع لتوثيق الأعمال المعمارية للمستشرقين في القاهرة منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، وخلال مسيرة المشروع تم رصد ما يقرب من ثلاثمائة عمل لحوالي مائة معماري .

خرائط القاهرة شاهد على العمران

تلعب الخرائط دوراً اساسياً في التعرف على رحلة القاهرة المحروسة وعمرانها، باعتبار أن الذاكرة المرسومة احدى التعبيرات المصورة لتدوينات التاريخ والمؤرخين والرحالة المكتوبة، فالإنسان والزمان والمكان أبعاد ثلاثية للمنظومة العمرانية لا غنى لأية منها عن الآخرتين في حياة المدينة ورحلة عمرانها في التــــاريخ .. ومن الجغرافيـــا ..

الخريطة هنا وثيقة الجغرافيا ومفردات لغتها

كما أن الكلمة المكتوبة وثيقة التاريخ ولغتــه

فالخريطة في هذا المقام تصوير ما حدث أو الحادث أو الممكن حدوثه

توثيق لحقيقة واقعة أو ممكنة الوقوع لعمران المدينة وحياة الانسان والمجتمع

إذن الخريطـــة وسيلة ممكن من خلالها رؤية المدينة في زمان سابق أو مستقبل لاحق ..

واستطاع المشروع توثيق وتحليل ما يقارب 200 من تصورات وخرائط القاهرة في الفترة من سنة 750 وحتى 1972 ، وكذلك دراسة وتوثيق التطور التقني لانتاج الخرائط عبر العصور المختلفة وتطورات علم الكارتوغرافيا والكوروغرافيا ، وقد نتج عن المرحلة الأولى من المشروع اصدار خاص ضمن مبادرة الكتاب الرقمي المفتوح: خرائط القاهرة .. شاهد على العمران

بيبليوغرافيا القاهرة

إن النص المكتوب سواء مخطوط أو مطبوع هو اثر ويحمل ذاكرة الأمة وتراثها ، ويتسم بقيمة علمية وفنية وتاريخية ، وهو من أهم المصادر الأصلية للبحث العلمي والفني والثقافي ؛ ومن الصعب تحديد عدد المخطوطات التي تضمنت بصورة مباشرة أو غير مباشرة ملامح من تاريخ القاهرة ومصر عامة ، ولكن هناك بعض الفهارس والمؤلفات التي تعد مصادر رئيسية في المخطوطات العربية حول العالم وعددها ، وطبقاً لهذه المصادر فإن أكثر الدول التي تمتلك العدد الأكبر من مثل تلك المخطوطات هي بالطبع مصر،. أما المطبوعات التي قد تتصل بذات الموضوع قديماً وحديثاً فهي من التنوع بموضوعاتها ومؤلفيها بحيث يستحيل حصرها إلا من خلال مؤسسات متخصصة ومكتبات قومية ودولية .. وهناك مقولة مشهورة بين الباحثين في التاريخ عامة وتاريخ عمران المدن والمجتمعات خاصة وهي «لا تاريخ بلا مصادر» اذ لا يمكن للباحث ان يكتب دون الرجوع إلى المصادر ليستقي منها المادة الأولية التي تزوده بالنصوص الكفيلة بكتابة متن البحث ، فعملية كتابة التاريخ تقوم على المصادر

وقد ضم مشروعنا لرصد بيبليوغرافيا القاهرة المحروسة مجموعة مميزة من المصادر والتي تمثلت في عدد من المراجع العامــــة والفهارس والمحفوظات ، كتب الرحالة والمؤرخين ، المراجع الحديثـــــة والمعاصـرة العربية و الاجنبية والمترجمة ، البحوث العلمية والمقـــــــالات العربية والاجنبية ، الوثائق القومية المصرية ، الاحصائيات وتعداد السكان ، التشريعات والقوانين ، المذكرات والتراجم – اغلبها من الإصدارات المطبوعة والأخر من الإصدارات الرقمية - والتي يضمها أرشيف و مكتبة مركز طارق والي العمارة والتراث والتي تتلخص ابرزها في:

  • مجموعة خاصة من أمهات كتب التاريخ والكتب والاصدارات النادرة والتي تضم حوالي مائتان كتابا يرجع أقدمها الى القرن الرابع عشر الميلادي.
  • منها ما يقرب من ثلاثمائة كتاب ومرجع حديث عن القاهرة بوجه خاص وحوالي خمسمائة وخمسون كتاب عن تاريخ مصر واحوالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال المدى الزمني للكتاب.
  • مجموعة رقمية تضم ما يقرب من خمسمائة عنوان تتنوع بين الكتب والأبحاث والرسائل العلمية والمقالات المحكمة عن تاريخ وعمران القاهرة ومصر. (بالأرشيف الرقمي لمركز طارق والي العمارة والتراث)

سمحت تلك المجموعة المميزة بتجميع مادة علمية دقيقة واتاحت الفرصة لمراجعة المعلومات وتدقيقها من أكثر من مرجع، مما اضفى على المعلومات نوعا من الاكتمال والدقة، كما أتاح تنوع المجموعة تغطية كافة جوانب رحلة القاهرة ورسم صورة شبه متكاملة للمحروسة وذلك على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي العمرانية ، وشكلت المرجعية العلمية والتاريخية لكتاب رحلة القاهرة المحروسة من عصر الولاية إلى عصر الاستقلال الوطني الذي صدر في 2019.

كونت تلك المجموعة قائمة بيبليوغرافية لتاريخ القاهرة المحروسة تضم مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تسجل لتاريخ القاهرة المحروسة سواء المتاحة بمكتبة المركز او المكتبات الأخرى وقواعد البيانات المحلية والدولية.